المحور الأول: حياة الرافعيّ
نشأته :
«الرافعيّ سوريّ الأصل، مصري المولد إسلامي الوطن، فأسرته من طرابلس الشام، يعيش على أرضها إلى اليوم [بعد وفاة الرافعيّ بعام] أهله وبنو عمه، ولكن مولده بمصر، وعلى ضفاف النيل عاش أبوه وجده والأكثرون من بني عمه وخؤولته منذ أكثر من قرن(1)»
ولد في (بهتيم) وهي من قرى القليوبية بمصر الكنانة، وذلك –على أصح الأقوال– في يناير سنة 1880، في دار جده لأمه(2) الشيخ أحمد الطوخي التاجر، والرافعيّ هو الولد الثاني لأبيه الشيخ عبد الرزاق الرافعيّ.
ويتصل نسب الرافعيّ بعمر بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أمير المؤمنين رضي الله عنه، في نسبٍ ممتدٍّ من أهل الفضل والكرامة والفقه في الدين.
وكان أبوه الشيخ عبد الرزاق الرافعيّ «من قضاة الشرع في دمنهور والمنصورة، ثم استقر به المقام في قضاء المحكمة الشرعية بطنطا وبها لقيَ ربّه، وترك بيته لينشأ به ولده مصطفى، ولتكون طنطا أفق نجمه، تزهو به حيا، وتعدّه من أعلامها في الراحلين(3)».
وذلك لكون أسرته كانت «أسرة قضاء وفقه وفتوى، إذ نزح أعمامه وأجداده من الشام إلى مصر ليتولوا مناصب القضاء الشرعي مسلَّحين بأدواته الثقافية ودراياته العملية(4)».
كانت للرافعي لهجة في الحديث ظلت قريبة من اللهجة السورية إلى آخر أيامه، كأنها أتى منها بالأمس.
والتحق الرافعيّ بوظيفته في المحكمة الشرعية (بطلخا) كاتبا في أبريل سنة 1899، وهو في التاسعة عشر من عمره، قبل أن يستقر به المطاف أخيرا بمحكمة (طنطا) التي فيها داره، ثم تزوج عام 1904 –وسنّه أربعة وعشرون عاما– من شقيقة صديقه عبد الرحمن البرقوقي أحد أعيان كفر الشيخ وصاحب مجلة (البيان(5)) فيما بعد، وكان له من الولد أحد عشر ولدا وفتاة، افترط الدهر منهم واحدة في سنتها الأولى وخلّف عشرة.
وكانت كنيته (أبا السامي) وهي اسم ابنه البكر، محمود سامي الرافعيّ، وإنما سماه كذلك تشبيها له باسم الشاعر المجدد محمود سامي البارودي، فإليه كان ينظر في مبتدأ حياته.
وفاته :
كان الرافعيّ، ثم مات، وبينهما عمر قصير، لم يتجاوز سبعة وخمسين عاما، لقد كان هنالك إنسان يمشي ويجيء، كان هنالك إنسان يتحرك ويتكلم ويكتب، يكتب أحسن وأجمل وأرقّ ما أنت يقرأ قارئ، لكنه.. لكنه لم يعد هنالك.. لكنه مات.. لكنه خلّف أدبا حيًّا كأنه الزلال.
مات الرافعيّ ضحى يوم الإثنين في العاشر من شهر ماي سنة 1937، وحمل جثمانه الطيب بعد ظهر ذلك اليوم «إلى حيث رقدَ رقدة الأبد في جوار أبويه من مقبرة الرافعيّ بطنطا، لم يُشيعه إلا بضع عشرات من زملائه في المحكمة، أو من جيرانه في الدار(1)».
يقول صديقه وتلميذه الأستاذ محمد العريان في آخر كتابه (حياة الرافعيّ): «لقد مات الرافعيّ ولكن اسمه سيبقى ما بقيت العربية، وليس بعيدا ذلك اليوم الذي يتداعى فيه أدباء العربية من كافة أقطارها ليجعلوا ذكرى الرافعيّ موسمًا من مواسم الأدب وحلبةً يتسابق فيها أهل البيان».
ورثاه صديقه الأمير شكيب أرسلان بمرثية طويلة حارة، تكاد تكون وحدها تاريخا للرافعي، يقول فيها:
إن الذي قد ضمّ جسمكَ للثرى قد ضمّ فيه العبقريَّ الأكبَرَا
من مثل نادرة الزمان المصطفى سلطان من وشَّى الطروسَ وحبَّرَا
ما إن رأى العصر الحديث نظيره فحلا يُباري الأوّلين ولن يُرَى
وكلنا نقول –كلما قرأنا لك حرفا في حرف– عليك رحمات الله تترى يا أبا السامي ما غرّد طير، أو ناحَ باك.
المحور الثاني: أدب الرافعيّ وثقافته
ثقافة الرافعيّ :
إنّ الرافعيّ من أولئك الأعلام الذين أثْرَوا الدنيا بنتاج أفكارهم ومحصول آرائهم، إلا أنه لم يكن له حظٌّ وافرٌ من الدراسة النظامية، ذلك أنه «لم يدخل المدرسة إلا بعد ما جاوز العاشرة بسنة أو اثنتين» فتحصّل على الشهادة الابتدائية وسنه آنذاك سبع عشرة سنة أو دون ذلك بقليل، ومن قبلها كان قد عبّ عبًّا من مناهل القرآن والسُّنة النبوية فارتوت نفسه من نور القرآن ومن بهاء النبوة، ثم أخذ تعليمه من مكتبة أبيه الحافلة بنوادر كتب التراث العربي، فكان هو التلميذ والأستاذ في الآن ذاته.
وهاتان الركيزتان القويتان –المناهل الشرعية وكتب التراث– كان لهما أبلغ أثر في أدب الرافعيّ ونتاجه من بعدُ، ومنهما اكتسب ثقافته العالية التي نلمسها في كل ما كتب وسطّر، والتي مازت أسلوبه عن أساليب الأدباء الذين كانوا في عصره، بل وجعلته يتفوّق عليهم.
«وفي السنة التي نال فيها الرافعيّ الشهادة الابتدائية –وهي كل ما نال من الشهادات الدراسية– أصابه مرضٌ مشفٍ أثبته في فراشه أشهرا –وأحسبه كان التيفوئيد(1)– فما نجا منه إلا وقد ترك في أعصابه أثرًا كان حبسةً في صوته ووقْرًا في أذنيه من بعدُ(2)».
فما أكمل الرافعيّ الثلاثين من عمره حتى صار أصمّ لا يسمع شيئا، ومن هنا كان حديث الرافعيّ مع أهله وأصحابه يمر عبر قلم وورقة، فهو يتحدث ويُسمع من أمامه، ولكن الذي أمامه يوصل إليه حديثه مكتوبا في ورقة يقرؤها، وكم تولى الأستاذ العريان القيام بهذه المهمة عن أستاذه الرافعيّ، يترجم له حديث محدثه في ورقة.
يقول العريان في تاريخه عن الرافعيّ: «وفاتته لذة السامع حين يسمع فذهب ينشد أسباب العلم والمعرفة ليجد لذة المتحدث حين يتحدث… وقال لنفسه: إذا كان الناس يُعجزهم أن يُسمعوني فليَسمعوا مني..».
لهذا كان الرافعيّ يقرأ ثماني ساعات متواصلة بين ليله ونهاره، لا يريح ولا يستريح، كأنه كان يريد أن يستجمع في رأسه علوم الدنيا كلها، فما يُرى في القهوة والقطار والشارع.. إلا وفي يده كتاب.
«وفي القطار بين طنطا [مكان سكناه] وطلخا [مكان وظيفته] (وبالعكس) استظهر كتاب (نهج البلاعة) في خطب الإمام علي، وكان لم يبلغ العشرين بعد..(3)».
يقول الأستاذ مصطفى البدري عن الرافعيّ في سفره الضخم: «ولا بدع أنّ من يتوفر على بعض هذه الثقافة الواسعة الشاملة، وتتهيأ له من روافدها ما تهيأت للرافعي، أن يغدوَ إماما في عصره، أو يضحي بعد ذلك أعلم أهل زمانه بالشعر واللغة والأدب(4)».
وبعد هذا يمكننا أن نبيح لأنفسنا السؤال: هل كان الرافعيّ منغلقا على التراث العربي وحده فقط، لا يقرأ إلا كتب الأموات من أجداده؟
ونجد الجواب عند الأستاذ وليد كساب في رسالته عن الرافعيّ، يقول: «لم يكن الرافعيّ منغلقا على التراث كما أشاعوا، بل كان –بالإضافة إلى تبحره المائز في التراث– مطّلعا على ما يكتبه الغرب، ومن المبكّرين إلى كتابة المسرحية –التي هي في الأصل نتاج غربي– وقتَ أن كانت قالبا جديدا(5)».
ويظهر لنا من هذا أن الرافعيّ كان لا يجد غضاضة –مثلنا– في الاطلاع على الثقافة الغربية للإفادة منها، والذي يقرأ مجموع أدبه يرى فيه أسماء لأدباء وفلاسفة كبار من أوربة، أمثال: شوبنهاور، ونيتشه، وفولتير، وأناتول فرانس، وشارل شومان، وغيرها من أسماء أعلام الثقافة الغربية، إما ناقلا عنهم أو مستشهدا بهم أو مناقشا لهم، يقول الأستاذ مصطفى البدري: «ومن يتصفّح كتابيه الجليلين (المعركة تحت راية القرآن) و(على السفّود) يَرُعْهُ منه ذلك البصر بآداب اللغات الأوربية، كأنما لم يكن يفوته منها شيء، بالرغم من اعتماده على الترجمة حسب(6)».
«يقول المرحوم إسماعيل مظهر(7): ..لم أكن ألقاه إلا استعجلني ترجمةَ كتاب عن علَم من أعلام أوربة، مختارا في الأغلب الكتب التي تدعو إلى حرية الفكر، وإلى نشر المبادئ العلمية الحديثة، كأنه كان يعتقد أنّ الإيمان الصحيح لا ينبغي أن يقف عثرة في سبيل الفكر، أيًّا كان مصدره ومرماه(8)».
وهذه المعرفة الكبيرة بالآداب الغربية وتتبع أخبارها لم تستطع أن تجرّ الرافعيّ –كما فعلت بالكثير من المثقفين وأنصاف المثقفين– إلى التبعية المهينة لكل ما يكتبه ويعتقده أولئك الأقوام الذين هم وراء البحر، ولم تقدر على أن تبهر وتستهوي قلب الرافعيّ –كما فعلت بقلوب الكثير من الأدباء وأشباه الأدباء– حتى ينسلخ –كما انسلخوا– من التراث العربي العظيم الزاخر، أو يتنصّل –كما تنصلوا– من الأصل والموروث الثقافي والإسلامي.
ولعل اطلاع الرافعيّ –رحمه الله تعالى وأجزاه بكل خير– على الآداب الأوروبية ومعرفته بالثقافات الغربية كان له حافزا قويا يَحْفِزُهُ على التمسّك بتراثه العربي وثقافته الإسلامية، لما رأى فيه من هلهلة لا يحكمها شرع ولا تردعها أخلاق، مقارنة مع موروثه الإسلامي المنضبط بقوانين الشرع والمقيّد بأخلاق الفطرة العربية السليمة.
وفي هذا المنحى يقول الرافعيّ عن نفسه في كتابه العظيم (وحي القلم): «أنا لا أعبأ بالمظاهر والأغراض التي يأتي بها يوم وينسخها يوم آخر، والقِبلة التي أتجه إليها في الأدب إنما هي النفس الشرقية في دينها وفضائلها، فلا أكتب إلا ما يبعثها حية ويزيد في حياتها وسمو غايتها، ويمكّن لفضائلها وخصائصها في الحياة، ولذا لا أمسُّ من الآداب كلها إلا نواحيها العليا، ثم إنه يخيل إليّ دائما أني رسول لغوي بعثت للدفاع عن القرآن ولغته وبيانه، فأنا أبدا في موقف الجيش تحت السلاح(9)».
أدب الرافعيّ :
هذا جرد تاريخي وجيز لأهم مؤلفات مصطفى صادق الرافعي، يأتي كما يلي:
- حسام الدين الأندلسي:من الأعمال المسرحية المجهولة، كتبها في بواكير عمره، 1896/ 1897م وسماها رواية، طبعت أربع طبعات في حياته، والطبعة الخامسة سنة 2015 على يد الأديب المصري الخلوق الأستاذ وليد كساب، نقّبَ عنها نشرها بعد عقود متعاقبة ظلت فيها رهينة الإهمال والنسيان.
وهي مسرحية جمعت بين النثر والشعر، تدور أحداثها في أماكن مختلفة من بلاد الأندلس وبلاد المغرب في العصور القديمة، وتصور جانبا من جوانب الصراع بين البشر في تلك البقاع. قرظها الشاعر محمود سامي البارودي بقصيدة قال في أولها :
لروايةِ ابن الرافعيِّ ملاحةٌ تصبو إليها أنفس وعيونُ
- تاريخ آداب العرب:كتاب من ثلاثة أجزاء، الأول في أبواب الأدب والرواية والشواهد الشعرية، والثاني في إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، أما الثالث فقد انتقل الرافعيّ إلى جوار ربه قبل أن يتم جمعه، فتولى ذلك تلميذه محمد سعيد العريان بإخراجه وطبعه.
- حديث القمر:هو ثاني كتبه النثرية، وقد أنشأه بعد عودته من رحلة إلى لبنان عام 1912، عرف فيها شاعرة من شواعر لبنان (مي زيادة) وكان بين قلبيهما حديث طويل، فلما عاد من رحلته أراد أن يقول فكان حديث القمر.
- المساكين:كتاب أنشأه سنة 1917 ألهمه إياه بعض ما كان في مصر من أثر الحرب العالمية الأولى، صوّر فيه الآلام الإنسانية في مجتمعه آنذاك، وقدّم له بمقدمة بليغة في معاني الفقر والإحسان والتعاطف الإنساني،
- رسائل الأحزان:من أرقّ كتب الرافعيّ في فلسفة الجمال والحبّ، أنشأه شنة 1924، يتحدث فيه عن شيء كان بينه وبين (مي زيادة) وهو عبارة عن رسائل يزعم أنها من صديقٍ يبثّه ذات صدره، فيها مرارة اللقاء، ولوعة القطيعة، يقول فيها: «هي رسائل الأحزان لا لأنها من الحزن جاءت، ولكن لأنها إلى الحزن انتهت».
- السحاب الأحمر:صدر بعد رسائل الأحزان بأشهر، وهو كتاب أتى بعده كالتكملة له، وهو يقوم على فلسفة البغض، وطيش الحب، ولؤم المرأة.
- أوراق الورد:هذا الكتاب طائفة من الخواطر المنثورة في فلسفة الحب والجمال، أنشأه الرافعيّ ليصف حالة من حالاته، ويثبت تاريخا من تاريخه، في فترة من العمر لم يكن يرى لنفسه من قبلها تاريخا ولا من بعدُ.
في هذا الكتاب وحي من (فلانة: مي زيادة) ووحي من صاحبة حديث القمر، تلك التي عرفها في ربوة من لبنان، فهو ليس خالصا لواحدة منهما دون الأخرى، وفي هذا الكتاب نبضات القلب، وفكر المفكر، وعقل الأديب، وحيلة الفنان.
- تحت راية القرآن:صدر سنة 1926، جعله الرافعيّ ردا على أدباء الجديد الذين يزرون بكل قديم فقط لكونه قديما، ويحتفون بكل ما هو جديد فقط لكونه جديدا، وهو كتاب ضخمٌ جلّ صفحاته جاءت للرد على فتنة الشعر الجاهلي التي افتعلها الدكتور طه حسين في كتابه (في الشعر الجاهلي)، مما خلق عداوةً كبيرة بين الرافعيّ وطه.
- على السفّود:كتاب نقدي، لم يُكتب عليه اسم الرافعيّ، إنما رمز إليه بعبارة (إمام من أئمة الأدب العربي) ثم عُرف أنه للرافعي من بعدُ، يدور حول نقد ديوان العقاد (وحي الأربعين) وأبان عن مدى تبحر الرافعيّ وعلمه بالشعر والأدب العربيين.
نُشر منجّما في بادئ أمره في مجلة العصور، ثم طبع بعد كتابا مستقلا.
- وحي القلم:مجموع مقالات أدبية مستوحاة من الحياة الاجتماعية، ومستلهمة من القصص الإسلامي والتاريخي، كتبت أغلبها في مجلة الرسالة ما بين سنتيْ 1934 و1937. قال عنه الزيات: هذا الكتاب قد اجتمعت فيه روح الرافعي الفلسفية وروحه البيانية، وتعاونا على بناءِ الفن العربي بناءً جديدا، فيه من الروعة والمتانة والتسامي والجمال كلّ بديع.
معارك الرافعيّ الأدبية :
تمثل “المعارك الأدبية” قطاعًا حيا من قطاعات الحياة الفكرية في الأدب العربي له خطورته وأهميته في مجالات النثر والشعر واللغة العربية والقومية العربية ومفاهيم الثقافة ونقد الكتب(1).
وفي هذا المحور سيدور الحديث حول أضرى معركتين أدبيتين دارتا في أول القرن العشرين في مصر، وكانت أولاهما بين الرافعي وطه حسين، وثانيتهما بين الرافعي والعقاد، وفيما يأتي بعض البيان عنهما.
مع طه حسين :
إن المعركة الضارية الملتهبة التي دارت بين الرافعيّ وطه حسين أنشبها كتاب (في الشعر الجاهلي) للدكتور طه، لكن «حين نتبين العلاقة الأدبية بين الرافعيّ وطه حسين نجدها تمتدّ إلى ما قبل فتنة الشعر الجاهلي بمدى طويل، فقد تحدّث طه حسين عن كتاب (تاريخ آداب العربية) عقبَ صدوره [وقد صدر سنة 1911]، وقرّر أنه لم يفهمه… وكذلك فعل طه حسين حين تحدّث عن (حديث القمر) [وقد صدر سنة 1912]، للرافعي فذكر أنه لم يفهمه(1)».
ومن هنا يظهر أن الخصومة بين طه حسين والرافعيّ قديمة جدا منذ صدور الجزء الأول من كتاب (تاريخ آداب العرب)، إلا أن العريان يومئ في تاريخه عن الرافعيّ أن الخصومة بينهما كانت من قبل هذه السنة بسنتين، يقول: « وثمة حديث آخر يشير إلى أوَّل ما كان بين الرافعيّ وطه، رواه لي صديقنا الأديب عبد المعطي المسيري، صاحب «القهوة والأدب»، قال: «زار الرافعيّ إدارة «الجريدة» مرة لبعض شأنه، في سنة 1908 (أو سنة 1909)، فلما همَّ أن ينصرف طاف بمحرري «الجريدة» يحييهم — وبينهم طه حسين — ولكن الذي كان يصحب الرافعيّ في طوافه لم يعرِّفه طه ولم يقدِّم أحدهما للآخر، وعَرَفه الرافعيّ على الرغم من ذلك؛ إذ كان مثله لا يخفى واسمه على جبينه … ولكن لم يحيِّه ولم يُظهر له المعرفة؛ رعايةً لعاطفته، وخشية أن يفهم طه أن الرافعيّ لم يعرفه إلا بعلَّته فيألم وتتأذى نفسه، ولكن طه طوى صدره على شيء للرافعي من يومئذٍ؛ لأن الرافعيّ انصرف دون أن يُحيِّيَه كما حيَّا زملاءه العاملين معه في الجريدة!»(2)».
«يظهر أن الدكتور طه حسين كان يحمل في نفسه ضغينة ما على الرافعيّ وما خشي على نفسه من أن يقرر كتابه (تاريخ آداب العرب) على طلبة الجامعة، فلا يتهيأ له استيعابه، أو الطراد مع أشواطه، فكان منه أن أشهد الله والناس على أنه لا يفهمه، ويم أخرج الرافعيّ (رسائل الأحزان) عاد طه إلى علة فهمه، فما كان من الرافعيّ غير الرد بقسوة، شبهه فيه بدءًا بكيسان مستملي أبي عبيدة الراوية، الذي كان يكتب غير ما يسمع، ويقرأ غير ما يكتب، ويفهم غير ما يقرأ(3)».
ومهما يكن فإن المعركة قد نشبت، ثم ما كان أحد منهما يجد الفرصة للنيل من غريمه إلا اقتنصها واقترفها، وحين صدر كتاب الرافعيّ (رسائل الأحزان) انتقده الدكتور طه ونقّص منه وقال إنه لم يفهمه، يقول الرافعيّ: «ولما أهدينا إلى جريدة السياسة كتابنا «رسائل الأحزان في فلسفة الجمال والحب»، كتب عنه الدكتور طه حسين في صحيفة الأدب – بعد مجلس كان لنا معه عند رئيس التحرير أغضبناه فيه بقولة الحق – فما زاد في كتابته على المماحكة والسفه وما عرف به من التحامل وزعمه أنه لم يفهم الكتاب، وهذا الزعم حلة قديمة فيه، لا يبالي معها أَن يُباهتَ بها نفسه ويُزري على عقله ورأيه، فقد كتب في سنة 1912 في “الجريدة” نقداً لكتابنا «حديث القمر» كان كله دائراً على أنه لم يفهم من الكتاب شيئاً، ولما جرى يومئذٍ في كلامه ذكر الجزء الأول في «كتابنا تاريخ آداب العرب» قال فيه “هذا الكتاب الذي نشهد الله على أننا لم نفهمه(4)».
وقد ردّ عليه الرافعيّ ردا عنيفا يظهر فيه التهكم اللاذع، وتبين فيه السخرية أيما بيان، يقول في صدره:
«إلى الأستاذ الفهّامة الدكتور طه حسين، يسلّم عليك المتنبي ويقول لك: ص133
وكم من عائبٍ قولا صحيحا وآفته من الفهمِ السّقيمِ»
ومما جاء في هذا المقال: «ولقد كتبت (رسائل الأحزان) في ستة وعشرين يوماً فاكتب أنت مثلها في ستة وعشرين شهراً، وأنت فارغ لهذا العمل وأنا مشغول بأعمال كثيرة لا تدع لي من النشاط ولا من الوقت إلا قليلاً، وها أنا أتحدّاك أن تأتي بمثلها أو بفصل من مثلها، وإن لم يكن الأمر عندك في هذا الأسلوب الشاق عليك إلا ولادة وآلاماً من آلام الوضع كما تقول فعليَّ نفقات القابلة والطبيبة متى ولدت بسلامة الله..(5)».
وهذا ردٌّ مفحم، بل هو ردٌّ مؤلم، لما فيه من الهزء والسخرية من الدكتور طه حسين، رد فيه الرافعيّ الاعتبار لنفسه.
وهدأت العاصفة قليلا حتى أصدر طه حسين سنة 1926 كتابا سمّاهُ (في الشعر الجاهلي) ضمنه محاضرات في الأدب الجاهلي كان يلقيها على طلابه في الجامعة، يحمل بين طياته أسلوبا جديدا في دراسة الأدب الجاهلي، ورأيا جديدا في الدين والقرآن أيضًا، فأثار حفيظة بعض القراء، ووجده القراء الآخرين أسلوبا جديدا «لتجديد الآداب العربية وتحرير الفكر العربي».
«وظل الرافعيّ ساكتًا؛ إذ لم يكن قد قرأ الكتاب بعدُ، فما نبَّهه إلى خطره إلا مقالان نشر أحدهما الأستاذ عباس فضلي القاضي، في السياسة الأسبوعية، وكتب ثانيهما الأمير شكيب أرسلان(6)في كوكب الشرق، فكان فيهما الإنذار للرافعي بأنه قد آن أوانه…
وانتضى الرافعيّ قلمه وكتب مقاله الأول فبعث به إلى جريدة «كوكب الشرق»، ثم مقالات ثلاثًا بعده، ولم يكن قد قرأ الكتاب، ولا عَرَف عنه إلا ما نشرت الصحف من خبره، فكانت المعركة بذلك في ميدانها الأول، خصومةً بين مذهبين في الأدب وفي الكتابة وفي طرائق البحث(7)» (8)
وإنّ الرافعيّ لم ينس ثاراته القديمة مع طه حسين، ووجدها فرصة لا تعوض في النيل منه، فرماه بداهية الدواهي في تلك المقالات الأربع، وقذفه بلهيبٍ مستعر، وهجاء مر، «ثمّ تلقى كتابَ الدكتور طه حسين فقرأه، فثارت ثائرته لأمر جديد…».
يقول العريان في كتابه: «وقرأ الرافعيّ ما قال طه، فغضب غضبته للدين والقرآن وتاريخ المسلمين، ونقل المعركة من ميدان إلى ميدان».
وإنّ كتاب (في الشعر الجاهلي) كتابٌ أودعه الدكتور طه حسين أباطيل كثيرة حول الأدب والشعر والقرآن، فهو مرة يقول مشككا في صحة الشعر الجاهلي: «شككت في قيمة الأدب الجاهلي، وألححت في الشك. وانتهيت إلى أن الكثرة المطلقة مما نسميه أدباً جاهلياً، ليست من الجاهلية في شيء، إنما هي منحولة بعد ظهور الإسلام. فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين وميولهم وأهوائهم، أكثر مما تمثل حياة الجاهليين».
ويتحدث بكل جرأة –أو سمّها صفاقة– عن التوراة والقرآن والأنبياء مُجانِبا الأدب والصواب، مشككا في القرآن ومكذّبا له، يقول: «للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلا عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها».
وكان الفضل للرافعي كونه كان أولّ من لفت الانتباه إلى خطورة ما جاء في كتاب طه حسين حول الشعر الجاهلي، يقول صاحب (فارس القلم): «كان أول من نقض كتاب الشعر الجاهلي من الباحثين، وأول من لفتَ الأنظار إلى خطورة ما سجل من أوهام تتعلّق بالقرآن والإسلام، وبسبب مقالة الرافعيّ ثارت ثائرة الشعب المُسلم، وتحرّك الأزهر..(9)».
وهكذا استعدى عليه الرافعيّ علماء ومشيخة الأزهر، فكتبوا كتبا رفعوها إلى الحكومة من أجل التدخل الفوري في فتنة الشعر الجاهلي وتأديب صاحبها، فكان ما أراد للرافعي، إذ انتقلت أوراق القضية من الجامعة إلى النيابة، فكان سحب نسخ الكتاب من الأسواق والمطابع،
ولقد أنتجت حوادث هذه المعركة الضارية بين الرافعيّ وطه حسين = كتابا من أمتع الكتب النقدية، هو كتاب (تحت راية القرآن: المعركة بين القديم والجديد)، يقول الأستاذ العريان واصفا الكتاب وأسلوب الرافعيّ فيه: «وليس الكتاب على استواء واحد في أسلوبه؛ ففي المقالات الأولى منه تقرأ رأي الرافعيّ هادئاً متزناً فيه وقار العلماء وحكمة أهل الرأي ورحابة صدر الناقد البريء؛ فإذا وصلت من الكتاب إلى قدر ما، رأيت أسلوباً وبياناً غير الذي كنت ترى، وطالعتك من صفحات الكتاب صورة جَهْمةٌ للرافعي الثائر المغيظ المحنق، جاحظ العينين كأنما يطالب بدم مطلول، مزبد الشدقين كالجمل الهائج، منتفخ الأنف كأنما يشم ريح الدم، سريع الوِثاب كأن خصماً تراءى له بعدما دار عليه طويلاً فهو يخشى أن يفر، وهو هنا يعني طه حسين وحده!(10)».
ويزيد الأستاذ العريان فيقول: «وهو فصول عدة، فيها ألوان من النقد مختلفة، وأساليب في البيان متباينة؛ ففيها التهكم المر، وفيها الهجوم العنيف، وفيها المصانعة والحيلة، وفيها رد الرأي بالرأي، وفيها تقرير الحقيقة على أساليب من فنون النقد، وفيها المراوغة ونصب الفخاخ للإيقاع، وفيها الوقيعة بين فلان وفلان، وفيها الزلفى إلى فلان وفلان، وفيها العلم والأدب والاطلاع الواسع العميق، وفيها شطط اللسان ومر الهجاء؛ وفيها فن بديع طريف، فيما حكى الرافعيّ عن كليلة ودمنة(11)».
ولقد استعمل الرافعيّ في بعض ردوده على الدكتور طه حسين أسلوبا من أجمل الأساليب وأبدعها، ضاهى فيه أسلوب ابن المقفع في كتابه كليلة ودمنة، «وكليلة ودمنة كتاب في العربية نسيج وحده، لم يستطع كاتب من كتاب العربية أن يحاكيه منذ كان ابن المقفع، إلا مصطفى صادق الرافعيّ. وكانت أول هذه المحاكاة اتفاقاً ومصادفة، في مقالة من مقالات الرافعيّ في طه حسين؛ إذ أراد أن يتهكم بصاحبه على أسلوب جديد، فبعث كليلة ودمنة ليقول على لسانهما كلاماً من كلامه ورأياً من رأيه؛ فلما أتم تأليف هذا الفصل عاد يقرؤه، فإذا هو عنده يكاد من دقة المحاكاة وقرب الشبه أن ينسبه – على المزاح – إلى ابن المقفع فلا يشك أحد في صدق روايته، فنشره بعدما قدم له بالكلمة الآتية: (عندي نسخة من كتاب كليلة ودمنة ليس مثلها عند أحد. . . ما شئت من مثل إلا وجدته فيها؛ وقد رجعت إليها اليوم فأصبت فيها هذه الحكاية(12)».
مع عباس محمود العقاد :
إن الرافعيّ والعقاد علمان شاهقان لا يطاولهما في ميادين الأدب إلا من كان مثلهما علما شاهقا، قد كان لكل واحدٍ منهما رأيه وفكره الخاص، «وكل منهما ممتاز عند نفسه.. هكذا كان الرجلان الكبيران، وكانت ثقافتهما تتعارض أكثر مما تتوافق، ولا بد أن يجد كلاهما عند الآخر ما لا يرضيه، فحتمٌ أن تدور المعركة(1)».
وكانت معركةً من أعنف المعارك الأدبية التي نشبت في القرن العشرين، لا تقاربها في ضراوتها إلا معركة الرافعيّ نفسه مع الدكتور طه حسين حول قضية الشعر الجاهلي.
لقد حاول العقاد مرة أن يتدخل لصالح الدكتور طه في صراعه الأدبي مع الرافعيّ، وغض الرافعيّ عنه الطرف مرة ومرتين، جاء في كتاب (الإمام مصطفى صادق الرافعيّ): «وقد أهمله الرافعيّ في بادئ الأمر، حتى لجَّ في التحرّش، وحاول الخصومة غير مرة، وكان آخرها رأيه في الرافعيّ وكتابه إعجاز القرآن(2)».
فهذه هي الشرارة التي أشعلت نار الخصومة بين الأديبين، وقصة رأي العقّاد في كتاب الرافعيّ (إعجاز القرآن) هي ما يرويه تلميذه العريان قائلا: «حدثني الرافعيّ قال: سعيتُ لدار المقتطف(3)لأمر، فوافقتُ العقاد هناك، ولكنه لقيَني بوجه غير الذي كان يلقاني به، فاعتذرت من ذلك إلى نفسي بما ألهمتني نفسي، وجلسنا نتحدث، وسألته الرأي في إعجاز القرآن، فكأنما ألقيتُ حجرا في ماءٍ آسن، فمضى يتحدث في حماسة وغضب وانفعال».
يقول الرافعيّ: «كان ثأرا بينه وبين إعجاز القرآن، ولو كان طعنه وتجريحه في الكتاب نفسه لهان عليّ، ولكن حديثه عن الكتاب جرّهُ إلى حديثٍ آخر عن القرآن نفسه وعن إعجازه، وإيمانه بهذا الإعجاز.. أصدقك القول يا بنيّ، لقد ثارت نفسي ساعتئذٍ ثورة عنيفة، فكدتُ أفعل شيئا، إنّ القرآن لأكرم وأعزّ.. ولكني آثرتُ الأناة..(4)».
لقد تهجم العقاد بقوله على الرافعيّ يعارضه فيما ذهب إليه من رأيٍ في إعجاز القرآن، والرافعيّ يحاول الهدوء وفي صدره مرجل يتلهّب، والعقّاد ماضٍ في تهجمه وتقحّمه عليه.
يقول الرافعيّ: «ولم أفهم إلا من بعدُ ما كان يدعوه إلى ما ذهب عليه»، لقد نفَس العقادُ على الرافعيّ كتابه، ونفَس عليه تقريظ الزعيم سعد باشا زغلول(5)لكتاب الرافعيّ: «لقد كان العقاد كاتبا من أكبر كتّاب الوفد، ينافح عنه ويدعو إليه بقلمه ولسانه عشر سنين، وإنه ليرى له عند سعد منزلةً لا يراها لأحد من الكتّاب أو أديب من الأدباء، وأنّ له على سعد حقّا، ولكن سعدا مع كل ذلك لم يكتب له عن كتابٍ من كتبه (كأنه تنزيلٌ من التنزيل، أو قبسٌ من نور الذكر الحكيم) وكتبها للرافعي وليس له عليه حق مما عليه للعقاد..(6)».
ومن هنا –حسب رأي تلميذه العريان– بدأت الخصومة اللّدود بين الرافعيّ والأستاذ العقّاد، باعثُها الحسد والغيرة، ونِتاجُها معركة أدبية جمة الفوائد، وكتابٌ نقدي جلّى لنا مدى تبحر الرافعيّ في فهم الشعر والأدب وتذوقهما.
وما يزال الرافعيّ والعقّاد في دار المقتطف يتجاذبان أطراف الحديث ويشتجران بالقول والرأي، حتى بدرت من العقاد تهمة ألصقها بالرافعيّ قال فيها: «ومع ذلك فما لك أنت ولسعد؟ إن سعدا لم يكتب هذا الخطاب؟ ولكنك أنت كاتبه ومزوّره، ثم نحلته إياه لتصدّر به كتابك فيروج عند الشّعب.
قال الرافعيّ: وما أطقتُ الصبر بعد هذه التهمة الشنيعة، وما ملكت سلطاني على نفسي، فهممت به.. فدخل بيننا الأستاذ صروف، فدعا العقاد أن يغادر المكان ليحسم العراك ويفضّ الثورة، فخرج والبابُ يبصق في قفاه(7)».
وربما هذه التهمة الشنيعة هي سبب اتخاذ الرافعيّ ذلك الأسلوب المؤلم والقاسي في نقد شعر العقاد حتى رماه لحما (على السفود) كما يقول.
ويظهر أن الأستاذ العقّاد لم يكن يشبه ذلك الحَمَلَ الوديع الذي يحمله صاحبه إلى المجزرة ويسكت ويسلّم أمره إلى جزاره، بل كان لا يقلّ ضراوةً في الرد والطعن والتقليل والتنقيص من الرافعيّ، وقد علمنا فيما سبقَ أنه كان يحاول أن يجد له مكانا بين الدكتور الرافعيّ وبين طه حسين ليناصر هذا الأخير عليه ويُضعفه أمام قرائه.
إن العقّاد كان شرسا هو أيضا في مواجهة خصمه، كان كلّما وجد منفذا للطعن في الرافعيّ ذهب فيه كلّ مذهب، فقد سخر منه في بعض ما كتبه حين تعرّضا معا لنقد نشيد شوقي الذي قدمه للجنة اختيار نشيدٍ وطني لمصر آنذاك، فقد قال عنه: «يا أبا درويش أو يا أبا السامي كما تكني نفسك»، وزاد فقال: «أبو عمرو الببغاء»، وهذه سخرية أيضا، وهذا تنقيص ظاهر.
وقال بشكل صريح ساخرا طاعنا مستهزئا في كتاب (الديوان): «مصطفى أفندي الرافعيّ رجل ضيق الفكر مدرع الوجه، يركبه رأسه مراكب يتريث دونها الحصفاء أحيانًا، وكثيرًا ما يخطئون السداد بتريثهم وطول أناتهم، وطالما نفعه التطوّح وأبلغه كل أربه أو جلّه، إذ يدعي الدعاوي العريضة على الأمة وعلى من لا يستطيع تكذيبه، فتجوز دعواه وينق إلحافه عند من ليس يكرثهم أن يخدعوا به. بيد أن الاعتساف، إذا كان رائده الخرق في الرأي، وشيك أن يوقع صاحبه في الزلل إحدى المرار، فيضيع عليه ما لو علم أنه مضيعه لفداه بكل ما في دماغه من هوس وما في لسانه من كذب، وكذلك فعل ضيق الفكر وركوب الرأس بمصطفى الرافعيّ، فحق علينا أن نفهمه خطر مركبه، وأن قدميه أسلس مقادًا من رأسه، لعله يبدل المطية ويصلح الشكيمة»(8).
ويظهر من هذا الكلام أن العقّاد استعمل هو الآخر «هُجر القول ومرّ الهجاء» في بعض ردوده على الرافعيّ، وهذا النص كان بداية الكلام، وأما آخره فهو ما تقرأ: «إيه يا خفافيشَ الأدب أغثيتم نفوسنا أغثى لله نفوسكم الضئيلة، لا هوادة بعد اليوم. السوط في اليد وجلودكم لمثل هذا السوط خُلقت، وسنفرغ لكم أيها الثقلان، فأكثروا من مساوئكم، فإنكم بهذه المساوئ تعملون للأدب والحقيقة أضعاف ما عملت لها حسناتكم، إن كانت لكم حسنة يحسها الأدب والحقيقة»(9).
وبين أوله وآخره ثلاث صفحات كبيرة من الطعن والاتهام و«هجر القول ومرّ الهجاء» كما وصف العريان كتاب الرافعيّ في الردّ على العقّاد.
ويزيد العريان في وصف كتاب (على السفود) بأن ما فيه من «هجر القول ومرّ الهجاء»، «خليق بأن يطمس (كل) ما فيه من معالم الجمال، فلا يبدوا منه إلا أذَمَّ الصور [كذا] وأقبح الألوان».(10)
وإني والله يملؤني العجبُ كل العجب من العريان كيف يقول –عما كتبه أستاذه في الرد والذود عن نفسه– هذه الكلمة، وهو مِن خير مَن يعلم أن العقّاد لم يكن بتلك الوداعة واللّطافة التي تحتّم على الرافعيّ أن يتأنّى ويتلّطف فيما يردّ به عليه.
لكن بالرغم من كل هذا فإن هذه المعارك الأدبية التي خاضها الرافعيّ أثرت الوسط الأدبيَّ في مصر والعالم العربيّ أيما إثراء، من تلك الأيام إلى هذه الأيام. يقول الأستاذ عبد الله كنون مبيّنا أسباب حدوثها: «مثل هذه الخصومات الغالب في نشوبها هو سوء الظن أو على الحقيقة نفاسة الأدباء بعضهم على بعض، ولولا ذلك لما تفرّغ كلٌّ من الرافعيّ والعقاد لتسقُّطِ عثرات الآخر ووصفه بما وصفه به(11)».
المحور الرابع : قالوا في الرافعي
«أعوذ بالله من الرافعي إذا انطلق ساخرا يُرسل بيانه طعناتٍ دراكا، وهو يضحك ضحك البرق في السحاب الراعد، أو لمع السيف في يد الضارب».
«أوتي الرافعي من الحرية الإلهية نصيبا، ومن النور الإلهي قلبا، ومن الفيض الإلهي ينبوعا، فلبث دهره نسيج وحده، وظلّ حياته يُنير للسالكين، ويسقي الظامئين».
عبد الوهاب عزام
«إن الناظم لم يتجاوز الثالثة والعشرين من سنه، ولا ريب أن من أدرك هذه المنزلة في مثل هذه السن سيكون من الأفراد المجلين في هذا العصر، ومن سيحلون جيد البلاغة بقلائد النظم والنثر».
إبراهيم اليازجي
«أسأل الله أن يجعل للحق من لسانك سيفًا يمحق به الباطل، وأن يقيمك في الأواخر مقام حسانَ في الأوائل».
محمد عبده
«سيأتي يوم إذا ذكر فيه الرافعي قال الناس: هو الحكمة العاليةُ مصوغةً في أجمل قالب من البيان».
مصطفى كامل
«بيان كأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من النور الحكيم».
سعد زغلول
«ثق أني أسافر مطمئناً وأنت بقيتي في مصر».
عبد المحسن الكاظمي
«أراك وأنت نبت اليوم تمشي … بشعرك فوق هام الأوّلينا
وأوتيتَ النبوّةَ في المعاني … وما جاوزت حد الأربعينا»
حافظ إبراهيم
«لو كان هذا الكتاب في بيت حرام إخراجه للناس منه لكان جديراً بأن يحج اليه، ولو عكف على غير كتاب الله في نواشئ الأسحار لكان جديراً بأن يعكف عليه».
شكيب أرسلان
«لقد جعلت لنا شكسبيرا كما للإنجليز شكسبير، وهوجو كما للفرنسيين هوجو، وجوته كما للألمان جوته».
أحمد زكي باشا
«وكذلك تظلم الأستاذ الرافعي إن قلت إن حظه من العلم باللغة العربية وآدابها وبدقائقها وأسرارها قليل؛ وإنما الحق أن الذين يعلمون هذه اللغة كما يعلمها الرافعي قليلون جدًّا، وأحسبهم يحصون أيضًا».
طه حسين
«إن أسلوبه سليم من الشوائب الأعجمية التي تقع لنا في كتاباتنا نحن العرب المتأخرين، فكأنى وأنا أقرأ له، أقرأ من قلم المبرد».
أحمد لطفي السيد
«إنه ليتفق لهذا الكاتب من أساليب البيان ما لا يتفق مثله لكاتب من كتاب العربية في صدر أيامها!»
عباس محمود العقاد
«الرافعي أمةٌ وحده، وأكثرُ الذين كرهره هم الذين جهلوه، وإنما يحبّ الرافعيِّ ويبكيه مَن عرف وحي الله في قرآنه، وفَهم إعجاز القرآن في بيانه، وأدرك سرّ العقيدة في إيمانه».
أحمد حسن الزيات
«وتجعل من الأدب العربي أدبين.. أدب أربعه عشر قرنا وأدب الرافعي».
علي الطنطاوي
«كان رأيي فيه دائمًا أنه أعلم أهل العربية وأوسع أُدبائها اطلاعًا على علوم الدين، وأحسبني لا أبالغ حين أقول: إن له بين آثاره ما لا يرقى إليه قلم قديم أو حديث».
المازني
«عظمةُ الرافعي مرجعها إلى اتصاله الوثيق بتراثنا الأدبي القديم دون غيره، فنهل من شرابه العذب، وتغذى من خلاصته القوية الصالحة، فاستطاع أن يشق للأدب القديم التليد سبيله في الأدب العتيد».
منصور فهمي
«الرافعي هو أحد أعلام العرب المعدودين، وأحد الأئمة السائرين في الطليعة من فيالق الأدباء في عصر النهضة».
فليكس فارس
«إن الرافعي لم يكن كاتبا للفن وحده، ولكنه كان صاحب رسالة وأهداف، وشعوره برسالته قد استولى عليه في كل ما كتب، فهو لم ينس غايته فيما كتب من أحاديث الحب والسوامر، ولم تخدعه فتنة الشهرة، أو تملق الجماهير، بل فرض نفسه فرضا».
عبد المنعم خلاف
«مصيبة الرافعي في جيله هي مصيبة الجاد بالهازل، وطالب الجد بطالب اللعب، وهو أنطق ناطق في التعبير عن الإشراق الإلهي، وأبرع بارع في التفسير النبوي».
حسين مُرُوَّة
«الرافعي يكتب بإيمانه وعقيدته ليدافع عن إيمان الأمة وعقيدتها، فتسير وراءه بنور الإيمان، ثابتة العقيدة، طاهرة المبادئ، جريئة في الحق، صريحة في نبذ الباطل».
محمد حسين زيدان